الشيخ محمد علي طه الدرة
103
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء ، كما يجوز أن يكون بدلا من الضمير المستكنّ في الخبر المحذوف ، وهو الأقوى . عَلَّمْتَنا : فعل وفاعل ومفعول به أول ، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها ، والعائد محذوف ، وهو المفعول الثاني ؛ إذ التقدير : الذي علمتنا إيّاه . هذا ويجوز اعتبار : ما مصدرية ، فتؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر ، ويجوز بالمصدر الأوجه الثلاثة المذكورة آنفا . إِنَّكَ : حرف مشبه بالفعل ، والكاف اسمها . أَنْتَ : ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ . الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ : خبران للمبتدأ ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ( إنّ ) . هذا ويجوز اعتبار الضمير توكيدا لاسم ( إنّ ) على المحل كما يجوز اعتباره ضمير فصل لا محل له ، وعليهما ف : الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ خبران ل ( إنّ ) وقيل : الْحَكِيمُ صفة الْعَلِيمُ ولا وجه له ألبتّة . والجملة الاسمية : إِنَّكَ . . . إلخ : في محل نصب مقول القول ، والاستئناف ممكن بالإعراض عمّا قبلها . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 33 ] قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 33 ) الشرح : قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ : وذلك لمّا ظهر عجز الملائكة . فسمّى كلّ شيء باسمه ، وذكر وجه الحكمة التي خلق لأجلها ، وذلك ليعلموا : أنّه أعلم بما سألهم عنه تنبيها على فضله ، وعلوّ شأنه ، فكان أفضل منهم بأن قدّمه عليهم ، وأسجدهم له ، وجعلهم تلامذته ، وأمرهم بأن يتعلموا منه ، فحصلت له رتبة الجلال والعظمة ، وفي هذا دليل على فضل العلم وأهله . هذا ؛ ولقد اختلف العلماء في هذا الباب : أيّهما أفضل : الملائكة ، أم بنو آدم ؟ على قولين : فذهب قوم إلى أنّ الرسل من البشر أفضل من الرّسل من الملائكة ، والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة ، والعوام من البشر أفضل من عوام الملائكة . وذهب آخرون إلى أنّ الملأ الأعلى أفضل . احتج من فضل الملائكة بقوله تعالى : بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ( 26 ) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ الآيتان رقم [ 26 - 27 ] من سورة ( الأنبياء ) ، وقوله تعالى في سورة ( التحريم ) الآية رقم [ 6 ] : لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ، وفي الحديث القدسيّ : يقول اللّه عز وجل : « وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم » . رواه البخاريّ ، ومسلم ، وغيرهما عن أبي هريرة ، عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، واحتجّ من فضل بني آدم بقوله تعالى في سورة البينة الآية رقم [ 7 ] : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من سلك طريقا يلتمس به علما ؛ سهّل اللّه له طريقا إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع . . . إلخ » الحديث . رواه أبو داود ، والترمذيّ ، وغيرهما ، عن أبي الدرداء - رضي اللّه